الأخبار العالمية

مسعد بولس ورقة خاسرة في الملف السوداني

الخرطوم:المرسى نيوز

من واشنطن إلى أبوظبي لمن يعمل مستشار ترامب في السياسة، لا تُقاس الأدوار بالتصريحات وحدها، إنما بالمسار الذي تقود إليه المواقف والنتائج التي تنتج عنها.

وفي ملف السودان، يبرز اسم مسعد بولس بصورة متزايدة، ليس باعتباره مجرد مستشار أمريكي، وإنما باعتباره أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في طريقة تعاطي واشنطن مع الأزمة السودانية.

وهنا يبرز السؤال الذي أصبح من الصعب تجاهله لصالح من يعمل مسعد بولس السؤال ليس اتهامًا بقدر ما هو محاولة لفهم التحولات التي طرأت على الخطاب الأمريكي تجاه السودان، خصوصًا منذ انتقال بولس إلى دائرة صناعة القرار الأمريكي المعنية بالملفات العربية ثم الأفريقية.

خطاب البرهان.. قبل ظهور بولس في سبتمبر 2024، خاطب الفريق أول عبد الفتاح البرهان الجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفته رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، في مرحلة كانت فيها الحرب قد بلغت مستويات بالغة التعقيد.كان السودان حاضرًا في نيويورك لطرح قضيته، وشرح رؤيته للحرب وتداعياتها، دون أن تكون مشاركة الوفد السوداني مرتبطة آنذاك بالدور الذي سيظهر لاحقًا لمسعد بولس في السياسة الأمريكية تجاه السودان.

بعد ذلك بثلاثة أشهر تقريبًا، في ديسمبر 2024، دخل بولس دائرة الملفات العربية في الإدارة الأمريكية، ثم أضيفت إليه لاحقًا الملفات الأفريقية.ومنذ ذلك الوقت، بدأ المشهد يأخذ منحى مختلفًا.عندما يصبح صوت واشنطن شبيهًا بصوت أبوظبي المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن بعض مواقف بولس بشأن السودان تبدو، في نظر منتقديه، أقرب إلى مواقف أطراف إقليمية معنية بالصراع، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، منها إلى خطاب أمريكي مستقل ومتوازن.

وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحةهل يتحدث بولس باسم واشنطن، أم أن واشنطن أصبحت تتحدث من خلال بولس وفق حسابات إقليمية

ليس من السهل تقديم إجابة قاطعة، لكن تتابع المواقف والتصريحات يجعل السؤال مشروعًا، خصوصًا عندما يتحول المستشار الأمريكي من شخصية يفترض أن تساعد في فتح قنوات التواصل إلى شخصية يُنظر إليها في الخرطوم باعتبارها جزءًا من الضغط السياسي على السودان.من الوسيط إلى طرف في الأزمة

الوسيط الحقيقي يحتاج إلى مساحة ثقة لدى الأطراف المتنازعة. أما عندما يصبح أحد الأطراف مقتنعًا بأن الوسيط نفسه يحمل أجندة مسبقة، فإن قدرته على لعب دور إيجابي تبدأ في التآكل.وهذا تحديدًا هو المأزق الذي قد يواجهه بولس.فإذا استمر الخطاب المتشدد تجاه الخرطوم، فإن السؤال لن يعود متعلقًا بموقف أمريكي عابر، وإنما بمستقبل الدور الذي يمكن أن يؤديه بولس في أي حوار أمريكي ـ سوداني.قد يكون الرجل جزءًا من الإدارة الأمريكية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن السودان سيكون مستعدًا للنظر إليه باعتباره قناة موثوقة للحوار.المشكلة أكبر من بولس الأخطر من ذلك أن المشهد قد يعكس خلافًا أو تباينًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكي نفسها.فالملف السوداني ليس شأنًا يخص شخصًا واحدًا، بل تتداخل فيه وزارة الخارجية، والبيت الأبيض، ومؤسسات الأمن القومي، والبعثة الأمريكية في الأمم المتحدة، إلى جانب حسابات واشنطن تجاه القوى الإقليمية.

ولهذا، فإن اختلاف الرسائل الأمريكية لا يمكن اختزاله في شخص بولس وحده.لكن إذا كان بولس يتحرك باتجاه، بينما تتحرك مؤسسات أمريكية أخرى باتجاه مختلف، فإن السؤال يصبح:من يملك القرار الحقيقي في الملف السوداني وهل تستطيع واشنطن تقديم سياسة واحدة واضحة تجاه السودان، أم أن الخرطوم تتعامل مع عدة مراكز نفوذ داخل الإدارة الأمريكية؟

التأشيرة.. ليست كل الحكايةأما الجدل حول التأشيرة والمشاركة في الفعاليات الأمريكية، فلا ينبغي أن يتحول إلى جوهر القضية.فإذا كانت الزيارة خاصة ومخصصة للقاءات مع الإدارة الأمريكية، فمن الطبيعي أن تكون مسألة التأشيرة ذات دلالة سياسية.أما إذا كانت المشاركة مرتبطة بحدث دولي أو فعالية متعددة الأطراف، فإن التعامل معها باعتبارها اختبارًا نهائيًا للعلاقات السودانية ـ الأمريكية قد يكون مبالغة في قراءة المشهد.والأهم أن مثل هذه الإجراءات لا تعني بالضرورة أن الطرف المستبعد خرج خاسرًا.أحيانًا يكون الخطأ الحقيقي هو طريقة التعامل مع الأزمة، وليس الأزمة نفسها.وقد تتحول واقعة كان يفترض أن تكون هامشية إلى قضية رأي عام إذا أُديرت بصورة سيئة، بينما يمكن للطرف المتضرر أن يحولها إلى مساحة سياسية وإعلامية إذا أحسن توظيفها.هل قطع بولس الطريق أمام نفسه؟ربما تكون المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى بولس أنه أصبح جزءًا من المعادلة التي يفترض به أن يساعد في إدارتها.

فكلما ارتفع منسوب التصعيد، ضاقت مساحة المناورة.وكلما ازدادت صورته ارتباطًا بموقف إقليمي أو طرف بعينه، أصبحت قدرته على التحرك كوسيط أمريكي أكثر صعوبة.وهنا قد تتحول القضية من هل السودان يرفض بولس؟إلى سؤال أكثر أهمية:هل أصبح بولس نفسه غير صالح لهذه المهمة فالدبلوماسية تحتاج إلى الثقة، والثقة لا تُفرض بالمنصب.مسعد بولس.. ورقة خاسرةفي النهاية، لا تكمن القضية في شخص مسعد بولس بقدر ما تكمن في الدور الذي يؤديه.فإذا كان يمثل سياسة أمريكية واضحة تجاه السودان، فعلى واشنطن أن تقول ذلك بوضوح.وإذا كانت مواقفه تعكس صراعًا داخل دوائر القرار الأمريكي، فإن ذلك يعني أن الخرطوم أمام ملف أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف مع مستشار.أما إذا كان الرجل يتحرك تحت تأثير حسابات إقليمية، فهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:هل ما نراه سياسة أمريكية تجاه السودان، أم سياسة إقليمية تُمارس من داخل واشنطن؟حتى الآن، تبقى الإجابة محل جدل.لكن شيئًا واحدًا يبدو واضحًا: استمرار بولس في هذا المسار قد يجعل اسمه جزءًا من مشكلة العلاقات السودانية ـ الأمريكية، بدل أن يكون جسرًا لحلها.

وفي السياسة، عندما يفقد الوسيط ثقة أحد أطراف الأزمة، قد تتحول الورقة التي كان يفترض أن تكون مفتاحًا للحل إلى ورقة خاسرة.

المرسى نيوز

تعد "المرسى نيوز" من المنصات الإخبارية الإلكترونية الرائدة التي تقدم تغطية شاملة لمجموعة واسعة من الأخبار المحلية والعالمية. تسعى هذه المنصة إلى تزويد القراء بمحتوى متميز يعكس الأحداث الجارية بموضوعية ودقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى