الرأي والتحليل

مؤتمر الحوار الأهلي الحر لشعب السودان (1 – 30 أكتوبر 2026)الورقة الثالثة: الميثاق الوطني التعاوني وإدارة الاختلاف وتحقيق التسويات السياسية العادلة وصون حقوق الشعب – معد الورقة رئيس الحاضنة التعاونية بولاية النيل الأبيض. الأستاذ الصادق عبدالمنان

.تقرير – نسرين نمر شميلة

نحو عقد اجتماعي جديد يؤسس للمواطنة والعدالة والتكاملأولاً: مدخل الورقةانطلق حوارنا الأهلي من استعادة الذات والمكاشفة الوطنية الصريحة، ثم ارتقى إلى تشخيص جذور الأزمة وبناء الإرادة الصلبة للسلام. ونصل اليوم إلى القضية الجوهرية التي يتوقف عليها مستقبل السودان ومصيره: كيف نُدير اختلافاتنا السياسية والإثنية، وتنافسنا حول الموارد، دون أن يتحول ذلك إلى إقصاء أو صراع يهدد وحدة الوطن، وسلامة مواطنيه، واستنزاف مقوماته؟إن الاختلاف بين السودانيين ليس خطأً في حد ذاته، بل تكمن المشكلة الحقيقية في غياب القواعد العادلة التي تُنظّم هذا الاختلاف، وتحمي الحقوق، وتمنع احتكار السلطة والموارد والفرص.ومن هنا، يأتي الميثاق الوطني التعاوني ليضع اللبنات الأولى لعقد اجتماعي جديد؛ يتفق فيه السودانيون على مرجعيات العيش المشترك، وإدارة التباين، وحماية الحقوق، وتحقيق المصالح الوطنية العليا.تطرح هذه الورقة القضايا التالية للنقاش التفاعلي، دون أن تدّعي احتكار الحقيقة أو تقديم إجابات موجزة ومغلقة عنها.المحور الأول: إدارة الاختلاف السياسي — من احتكار السلطة إلى المسؤولية الوطنيةالتعدد السياسي حق أصيل، والتداول السلمي للسلطة هو الركن الأساسي للحكم الديمقراطي. غير أن ممارسة الحزب للسلطة عبر ممثله المنتخب تضعنا أمام سؤال جوهري:ما الحد الفاصل بين حق الحزب في ممارسة السلطة وفق برنامجه، ومسؤولية ممثله المنتخب عن إدارة شؤون الوطن بكافة مكوناته؟إن انتخاب رئيس أو حكومة وفق الإجراءات الدستورية يمنحهم مشروعية ممارسة الاختصاصات، لكنه لا يحوّل مؤسسات الدولة بحال من الأحوال إلى ملكية خاصة للحزب أو من ينتمون إليه.ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مفهوم ثقافي وحضاري جديد يُرسّخ الفصل التام بين الانتماء الحزبي والوظيفة العامة، ويجعل الولاء المطلق للدستور والقانون والمصلحة الوطنية المجرّدة، لا للحزب أو الكيان السياسي. فالمرفق الحكومي ملك عام، والخدمة المدنية جهاز وطني مهني مُستقل، وحقوق المواطنين في التوظيف والترقي والحصول على الخدمات يجب ألا تتأثر بانتماءاتهم السياسية أو الشخصية.إن الخلط بين السلطة الحزبية ومسؤولية الدولة يُفضي حتماً إلى تسييس الخدمة المدنية، وإهدار معايير الكفاءة والاستحقاق، وإضعاف الفاعلية المؤسسية وتكافؤ الفرص.لذا، ينبغي أن يبحث الميثاق عن ضمانات عمليّة تشمل:حماية استقلال الخدمة المدنية ومهنيتها وتحييدها عن السجال السياسي.اعتماد معايير الجدارة والكفاءة والشروط المعلنة في التوظيف والترقية.تجريم استخدام الوظيفة العامة للمحاباة أو المحاصصة الحزبية.إخضاع شاغلي المناصب العامة للمساءلة القانونية النافذة.ضمان استمرارية مؤسسات الدولة واستقرار أدائها عند تداول الحكومات.أسئلة المحور للنقاش:كيف نضمن ممارسة الحزب لسلطته عبر ممثليه المنتخبين دون التغول على مؤسسات الدولة واحتكارها، درءاً للظلم والاستئثار؟كيف نكفل حماية الخدمة المدنية من التسييس والمحاباة ضماناً للعدالة في تقديم الخدمات للمواطنين؟ما المبادئ الجوهرية التي ينبغي أن يقرها الميثاق للفصل بين المسؤولية الحزبية والمسؤولية الوطنية حمايةً لحقوق كافة المواطنين؟المحور الثاني: إدارة الاختلاف الإثني — من التمييز إلى المواطنة المتساويةالسودان وطن متعدد الثقافات والانتماءات، ولا تتحقق وحدته بإلغاء هذا التنوع أو صهره القسري، بل بضمان المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، واحترام الخصوصيات الثقافية، ومنع اتخاذ الهوية الإثنية أو الجهوية معياراً لتحديد قيمة المواطن أو استحقاقه.إن الاعتزاز بالقبيلة والهوية الثقافية والجغرافية لا يتعارض مع المواطنة الجامعة، طالما أُنيطت هذه الانتماءات بحدودها الاجتماعية ولم تُستغل للإقصاء أو التمييز أو الاستئثار بالسلطة والموارد. إن بناء الثقة الوطنية يستوجب معالجة المظالم، وضمان المساواة أمام القانون، وتوسيع قاعدة المشاركة التنموية، ومكافحة خطابات الكراهية والتحريض، مع صون الحقوق والحريات الأساسية.أسئلة المحور للنقاش:كيف نحمي التنوع السوداني ونستثمره كعنصر قوة دون أن يتحول إلى ذريعة للتمييز أو الصراع والإقصاء المقابل؟كيف نعالج المظالم التاريخية بأطر تسوية عادلة دون الشطط في صناعة مظالم جديدة؟كيف نضمن تكافؤ الفرص والمشاركة العادلة لجميع المجتمعات السودانية تفادياً لظلم أي فئة؟المحور الثالث: إدارة الموارد — من التنافس والصراع إلى الشراكة والعدالةتتطلب إدارة الموارد الطبيعية والاقتصادية ضوابط وقواعد واضحة تحمي الحقوق وتنظم المصالح المتعارضة، لاسيما في قضايا الأراضي، المياه، الرعي، الزراعة، الثروات المعدنية، والمنافع العامة.إن العدالة التنموية لا تتحقق بمجرد التوزيع الحسابي المتساوي للموارد، بل بمراعاة الاحتياجات الفعلية، ومعالجة الفوارق التنموية التاريخية، وضمان الشفافية العالية، وإشراك المجتمعات المتأثرة في صناعة القرارات المتعلقة بمناطقها.كما أن الانتقال السلس من “اقتصاد الحرب” إلى “اقتصاد السلام” يتطلب إعادة تشغيل عجلة الإنتاج، وحماية الموارد من الفساد والاستنزاف العشوائي، وتوسيع فرص العمل، وربط صغار المنتجين بسلاسل التمويل والأسواق.وهنا تبرز الحركة التعاونية كآلية مجتمعية رائدة قادرة على تنظيم صغار المنتجين، وتطوير سلاسل الإمداد والتسويق، وإنشاء المشروعات المشتركة التي تجعل من المصالح الاقتصادية المتبادلة حافزاً قوياً للتعايش السلمي والتكامل الوطني.أسئلة المحور للنقاش:كيف نُحدد معادلة عادلة توازن بين حقوق المجتمعات المحلية في مناطق الإنتاج والمصلحة القومية العامة؟ما الآليات الكفيلة بضمان الشفافية والعدالة المطلقة في إدارة الموارد وتوزيع عوائدها؟كيف نعالج النزاعات حول الأرض والمياه وسبل العيش عبر سيادة القانون والحوار المؤسسي؟كيف يمكن للجمعيات التعاونية تحويل التنافس والتصارع على الموارد إلى شراكة إنتاجية وتنموية مستدامة؟المحور الرابع: الميثاق والعقد الاجتماعي الجديدإن إدارة الاختلاف السياسي والإثني والتنافس على الموارد تتجاوز مجرد إعلانات النوايا؛ إذ تتطلب قواعد مؤسسية ملزمة، وممارسات عملية تطبق على الأرض لحماية الحقوق وإرساء المساءلة.ومن هذا المنطلق، تقدم المبادرة في ورقة مستقلة رؤيتها لـ “النظام الإنساني الحديث”، باعتباره العقد الاجتماعي الجديد الذي يستند إلى الركائز التالية:المواطنة المتساوية: الحقوق والواجبات تكفلها المواطنة وحدها، بعيداً عن الانتماء الحزبي أو الإثني أو الجهوي.الفصل بين الحزب والدولة: السلطة الانتخابية أمانة ومسؤولية عامة وليست تفويضاً لاحتكار مؤسسات الدولة.الإدارة السلمية للاختلاف: اعتماد الحوار وسيادة القانون والمؤسسية بدائل دائمة للإقصاء والعنف.الإدارة العادلة للموارد: تنظيم المصالح المتعارضة بشفافية، وحماية الحقوق الاقتصادية للجميع.المشاركة المجتمعية الفاعلة: تمكين المواطنين من تحديد أولوياتهم التنموية ومراقبة تنفيذها.التعاون في المصالح المشتركة: تفعيل التنظيمات التعاونية والمجتمعية لتطوير خدمات الإنتاج وبناء جسور الثقة.وفي هذا السياق، لا يُعد الميثاق بديلاً عن الدستور الدائم أو التشريعات القومية أو مؤسسات الدولة، بل يسعى لتوفير “توافق شعبي عريض” على المبادئ الحاكمة، واقتراح آليات مجتمعية تساند تطبيقها.المحور الخامس: التسويات السياسية وحقوق الشعب — من إنهاء النزاع إلى إرساء العدالةقد تتطلب التسويات السياسية اتخاذ تدابير لإنهاء العمليات العسكرية، وفتح مسارات السلام، لمعالجة جذور النزاع وتهيئة المناخ للمشاركة السياسية. غير أن هذه التسويات — مهام كانت ضرورتها الإستراتيجية — لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لتقاسم الامتيازات أو منح أطراف النزاع حقوقاً على حساب الحقوق المادية أو القانونية أو السياسية لبقية أفراد الشعب.فحقن الدماء لا يعني إسقاط حقوق المواطنين، وإنهاء التمرد لا يعني إعفاء المتورطين في الانتهاكات الجسيمة للقانون من المساءلة والتنفيذ العادل للعدالة.لقد تجرّع المواطن السوداني مرارة الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف متعددة؛ سواء عبر ممارسات سلطوية أخلّت بواجبها الحمائي، أم عبر ممارسات تمرد امتدت آثارها الكارثية إلى بنيان المجتمع بأسره. وعليه، فإن السلام الحقيقي يُبنى على الاعتراف الكامل بحقوق الضحايا، وجبر الضرر، وإنفاذ العدالة، دون ارتهان حقوق الشعب للمقايضات السياسية.إن حق أي طرف في المشاركة السياسية أو الوصول إلى تسوية يجب أن يخضع لقواعد دستورية وقانونية عادلة، لا لحجم القوة التي يمتلكها أو مقدار الضرر الذي يستطيع إحداثه. كما أن معالجة المظالم يجب ألا تُنشئ مظالم جديدة، أو تُستغل كمكافأة على استخدام السلاح وتجاوز سيادة القانون.وفي هذا الإطار، يؤسس الميثاق لثقافة وطنية ممتدة تميز بوضوح بين:حق المشاركة السياسية: كحق مُنظم بموجب معايير المواطنة وقواعد القانون.حق معالجة المظالم: كالتزام واجباً أداؤه تجاه أي فئة متضررة دون تسويف.حقوق الضحايا والمتضررين: كحقوق أصيلة وخاصة لا تسقط بالتقادم ولا يجوز التصرف فيها أو مصادرتها.المساءلة القانونية: من خلال إجراءات قضائية مستقلة وعادلة تحمي حقوق الضحايا والمتهمين على حد سواء.التسوية السياسية: كإطار لمعالجة أسباب الحرب وبناء السلام، دون أن تُمنح بموجبها حصانات مطلقة أو تفويض بإهدار الحقوق.إن هدفنا ليس رفض التسويات السياسية، بل تأطيرها في سياق وطني عادل يجعلها مدخلاً لإنهاء الحرب وبناء السلام المستدام، لا وسيلة لتوزيع السلطة والمنافع بين أطراف النزاع على حساب المواطنين الذين دفعوا الفاتورة الأكبر.أسئلة المحور للنقاش:كيف نضمن إبرام تسويات سياسية تُنهي الحرب دون الانتقاص من الحقوق المادية أو القانونية أو السياسية للمواطنين؟كيف نعالج المظالم التي اتُخذت ذريعة للتمرد دون جعل حمل السلاح وسيلة لنيل امتيازات لا تتاح لعامة المواطنين؟ما الضمانات التي تمنع أطراف التسوية من المساس بحقوق الضحايا والمتضررين دون مشاركتهم المباشرة وموافقتهم؟كيف نقيم التوازن الدقيق بين متطلبات تحقيق السلام والمصالحة الوطنية، وواجب المساءلة عن الانتهاكات؟كيف نضمن ألا تُتخذ التسويات وسيلة للإفلات من العقاب، وألا تتحول المساءلة نفسها إلى أداة للانتقام أو الإقصاء السياسيين؟ما الدور المنوط بالميثاق الوطني التعاوني لتثبيت هذه المبادئ، بحيث يصبح السلام حقاً للمجتمع بكامله، وليس مجرد اتفاق بين أطراف النزاع؟الخلاصة والتوصيات المؤطرة للحوارإن السلام ليس صفقة تُعقد بين من يمتلكون أدوات القوة، بل هو عهدمُبرم مع الشعب الذي تحمل ويلات الصراع. والتسوية العادلة هي التي تضع حداً للحرب، وتعالج جذور المظالم، وتحمي حقوق الضحايا، وتصون سيادة القانون دون تفضيل أو منح طرف حقاً يملكه غيره.وعليه، يُرسّخ الميثاق قاعدة أساسية لا تنازل عنها:”لا يجوز أن يكون ثمن السلام التضحية بحقوق الشعب، ولا أن يكون ثمن معالجة مظالم فئة من المواطنين إحداث مظالم جديدة بحق فئة أخرى، ولا أن يكون الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها بديلاً عن سيادة القانون والمساءلة العادلة. صادرة عن: مبادرة جماهير الحركة التعاونية

المرسى_نيوز _الأحداث في لحظتها

المرسى نيوز

تعد "المرسى نيوز" من المنصات الإخبارية الإلكترونية الرائدة التي تقدم تغطية شاملة لمجموعة واسعة من الأخبار المحلية والعالمية. تسعى هذه المنصة إلى تزويد القراء بمحتوى متميز يعكس الأحداث الجارية بموضوعية ودقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى